أبي حيان التوحيدي
355
المقابسات
على ما يليق به . وهو الذي جمع وفرق ، وحرك وسكن ، وأعاد وأبدى وأفاد ، كل شئ ما كان محتملا له ، غير باخس ولا ناقص وهذا كلام من سره التوحيد ، فليكن إكثارك له على قدره وقدر حظك منه . ثم قال : وعلى أن الأشياء بنظر آخر تنقسم انقساما آخر ، وذلك أن منها ما سكونه طبيعة له ، ومنها ما حركته طبيعة له ، ومنها ما هو مهيأ للسكون في وقت وللتحريك في وقت ، فلا يتحرك في وقت السكون ولا يسكن في وقت الحركة . فلو أن مجموع هذا الباب راجع إلى واحد متى تحرك شئ فاليه يتحرك ، ومتى سكن شئ فيه يسكن ، ومتى لزم شئ نهجا واحدا فله يلزم ، سكان الخلل يدخل ، والنظام يزول ، والفساد يقع . فإن ظن من لا خبرة له ولا معقول عنده مع هذا أن الخلل والفساد قد وقعا بما تشاهد من تغير الأمور ، وتصرف الدهور ، وتلف الأنفس ، وزوال النعم ، وتنغص المرائر ، واعتراض الآفات والعلل ، فليعلم أن هذا ليس من قبيل ما كنا فيه . وذلك أن كل من أوجب الحركة العلوية بالفعل أوجب الحركة السفلية بالانفعال ، فبحسب ذلك تمزج هذه الأركان ، ويوجد منها اختلاف الشأن . ولو كان هذا العالم السفلى ثابتا على صورة واحدة كالعالم العلوي الذي هو على صورة واحدة ، لكان لا خلاف بين العالمين ، وكان لا يكون أحد العالمين أولى بتحريك الآخر من العالم الآخر بتحريكه ، فحينئذ كان يسقط العلوي والسفلى فلا يبين الفاعل من المنفعل ، ولا المؤثر من القابل ، ولا البسيط من المركب ، ولا البائد من الدائم ، ولا الصافي من الكدر ، ولا الطري من الداثر . وهذا كلام مرذول ليس عليه بهجة ولا نور . فالواجب تحرك ما تحرك إلى واحد وسكن ما سكن بذلك الواحد ، لأن هذه الفروع جارية على أصولها ، وهذه الأواخر تابعة لتلك الأوائل ، أعنى أن كل هيولى مهيئة لصورتها الخاصة بها ، وكل صورة مهيأة لهيولاها الخاصة لها . فلا تعادى ولا فساد ولا تظالم ولا